حسن الأمين
187
مستدركات أعيان الشيعة
الإنكليز وسلوك الطريقة التي يطيب لهم سلوكها . فان قبل فاصطحبه إلى قصر « فرحآباد » لاصدار مرسوم تعيينه في منصب الرئاسة . وذهب الأمير القاجاري في 21 رمضان سنة 1339 ه . ق الموافق 8 خرداد سنة 1300 ه . ش . إلى السجن . فلما دخل على « قوام السلطنة » وجده قائما يصلي . فلما فرغ من صلاته أبلغه الرسول أمر الشاه فأجاب بالقبول . ثم امتطيا إحدى السيارات الملكية إلى البلاط . واطمان الشاه إلى عزم « قوام السلطنة » على أن تكون سياسته مقاومة لسياسة الإنكليز الاستعمارية . وفي 22 رمضان سنة 1339 ه . ق . الموافق 9 خرداد سنة 1300 ه . ش . صدر المرسوم الشاهاني بتعيينه رئيسا للوزارة . وهكذا [ حرج ] خرج « قوام السلطنة » من السجن إلى مسند الرئاسة ! وفي 23 رمضان سنة 1339 ه . ق . الموافق 10 خرداد سنة 1299 ه . ش . فتح « قوام السلطنة » ، بأمر من « أحمد شاه » أبواب السجون وأفرج عن كل المعتقلين الذين حبسهم السيد « ضياء الدين الطباطبائي » ، وجلس الشاه في قصر « فرحآباد » لاستقبالهم . فوفدوا عليه وهم في حالة محزنة من الضعف والهوان والقذارة ، فلاطفهم وطيب خواطرهم . وفي 27 رمضان سنة 1339 ه . ق الموافق 14 خرداد سنة 1300 ه . ش انتهى « قوام السلطنة » من تشكيل وزارته ، وظل رضا خان « وزيرا للحربية فيها . خيبة السياسة الإنكليزية انقلاب الثالث من إسفند سنة 1299 ه . ش الذي هياه الإنكليز انتهى بسياستهم في إيران إلى الخيبة . ووصف أحد المستشارين الإنكليز الذين جاؤوا إلى إيران بمقتضى معاهدة سنة 1919 م في كتاب له تلك السياسة وما تبعها من خروج السيد « ضياء الدين الطباطبائي » من إيران بأنها أعمال تركت إنكلترا بلا صديق في إيران ، وجعلت صفوة السياسيين والمفكرين والوطنيين الإيرانيين ينحازون إلى معارضتها . بل بدأت معارضة هذه السياسة في أوساط الساسة الإنكليز وصحف إنكلترا من أواسط عهد وزارة الطباطبائي . بل كان فريق من السياسيين والعسكريين الإنكليز المقيمين في إيران يعارضون فكرة الانقلاب من يوم البدء في التخطيط له ، إذ كانوا يرونه مضرا بانكلترا . ووصف بعضهم خطة الجنرال « آيرن سايد » المخطط الأول للانقلاب ، بأنها خيانة لانكلترا . من أجل ذلك اضطرت الحكومة الإنكليزية إلى استدعاء سفيرها من طهران ، باعتباره أحد المسؤولين عن خيبتها ، واستبدلت به سفيرا آخر . نشاط رضا خان أما « رضا خان » فكان لا [ يفنك ] ينفك مثابرا على تقوية مكانته وجميع الأنصار حوله . وقبيل سقوط وزارة الطباطبائي ببضعة عشر يوما كان قد بلغ من نشاطه مجالا بعيدا ، فاتصل بجماعة من أهل النفوذ وأحكم صلاته بهم . وأمر جماعة من المختصين به من ضباط القوزاق بالاتصال بالزعماء الشعبيين وأصحاب الكلمة المسموعة من الوطنيين والسياسيين ومصافاتهم ومداراتهم وإحكام الروابط بهم . وقد وفق في مسعاه هذا كثيرا ، حتى أن أربعين نائبا من نواب المجلس المعطل نشروا بيانا بعد سقوط وزارة الطباطبائي أزروا فيه بالطباطبائي وعابوه ووصفوه بأنه مجرم وأنه معدوم الوجدان مأجور للأجنبي واستنكروا انقلاب الثالث من إسفند سنة 1299 ه . ش . ولكنهم تملقوا « رضا خان » وبرأوه من مؤامرة الانقلاب وقالوا إنه إنما قدم بجيش القوزاق إلى طهران يومئذ لظنه أنه يستجيب لأمر الشاه ، فكان مخدوعا . ووصفوه بالوطنية ولقبوه بألقاب التعظيم . ولما أصبح « رضا خان » وزيرا للحربية في وزارة « قوام السلطنة » حرص على أن يكون حكام الولايات الجدد من أعوانه وأنصاره وبادر فور تشكيل الوزارة الجديدة إلى إرسال أحدهم حاكما على قزوين . وأخذ يعد العدة لدمج الدرك والقوزاق فيه وحدة عسكرية واحدة ومن ثم تصبح القوة العسكرية كلها في إمرته . ووسع تشكيلات الكتيبة القوزاقية حتى عجزت ميزانية الدولة - وكانت في ضائقة - عن إمدادها بكل احتياجاتها من النفقات . ولكنه ألح في الطلب حتى اضطر الوزارة إلى اتخاذ قرار بجعل نفقات الادارات العسكرية مقدمة على جميع إدارات الدولة . وأوكلت إلى وزارته ، وزارة الحربية ، إدارة مصلحة الضرائب المباشرة وإدارة عائدات أملاك الدولة . وكان هذا الوضع يعجز الحكومة أحيانا عن صرف رواتب الموظفين المدنيين ، ولكنه زاد في تقوية الجيش إلى حد بعيد وترسيخ قواعد « رضا خان » ، حتى أصبح مستطيعا أن يفرض كلمته على الوزارة فرضا . ويبدو « رضا خان » في تلك الحقبة ، من بين كل السياسيين والحكام الإيرانيين ، أكثرهم براعة في التخطيط العملي للوصول إلى غاياته . فيشتد ويعنف بلا هوادة حين تمكنه الشدة والعنف ويسالم ويداري إلى أقصى حد حين تقتضي مصلحته المسالمة والمداراة . وقد بدأت أصول دكتاتوريته التي انتهت به ، فيما بعد ، إلى سيطرته سيطرة كاملة على إيران من اليوم الذي انفصل فيه عن السيد « ضياء الدين الطباطبائي » وناصبه وناصب وزير حربيته العداء ، حتى اضطرهما واضطر الشاه أيضا ، إلى تجنب إغضابه ومعاداته ، مع ما كانوا يكنونه من كراهية له وحذر منه . من ذلك اليوم أخذ يفرض [ إرداته ] إرادته فرضا ويتقدم نحو غايته خطوة خطوة حتى انتهى إلى الدكتاتورية المطلقة . وكان من أبعد غاياته صياغة إيران في وحدة متماسكة تلم البلاد من جميع أطرافها حول مركزية قوية مسيطرة . ومن ثم أقدم ، فيما بعد ، على قمع الانفصاليين واستئصال نفوذ العشائر المتحكمة ، فقام بحملة عسكرية حاسمة في خراسان وجيلان وأذربيجان ولورستان انتهت بانتصاره ، وتحقيق غايته . ولم يكن في سياسته هذه ما يضايق سياسة الإنكليز الجديدة بعد تغيير سفيرهم . فقد كان يتجنب كل ما يغضبهم ويحملهم على الحذر منه . وكان على اتصال دائم بالسفير الانكليزي . بل كان توحيد إيران على هذا النحو غاية قديمة عند الإنكليز إذ يسهل ذلك عليهم ما بينهم وبين إيران من معاملة . وكذلك تقوية الجيش الإيراني كانت غاية لهم إذ يغنيهم ذلك عن إبقاء جيشهم في إيران لحفظ طريق الهند وصد السوفيات عن إيران . وكان ايقانهم بصدق « رضا خان » في معاداة السياسة السوفياتية البلشفية يحملهم على مناصرته والاطمئنان إليه . ولولا ما ارتكبه ، يوم انتهت إليه السلطة المطلقة ، من استبداد وظلم وغرور وسوء خلق ، وما خامر بعض تدابيره الاصلاحية من فجاجة وقصر نظر لأدى لإيران خدمة وطنية كبرى . وقد انتهت كل تلك المقدمات التي برع